محمد غازي عرابي

799

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ سورة لقمان ( 31 ) : آية 12 ] وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 12 ) [ لقمان : 12 ] سبق أن أوردنا حديث رسول اللّه : إذا أخلص العبد للّه أربعين صباحا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ، فالحكمة إذن إلهية ولا تستخرج من بطون الكتب والمجلدات ، ولئن استخرجت ما انتفع بها إلا لدى تطبيقها ، فالفعل المهم لا السماع ، ولكم شهد التاريخ حكماء أميين لا يقرؤون ولا يكتبون وفي مقدمتهم النبي محمد نفسه ، ومنهم لقمان الذي عرف بالعلم والديانة والإصابة في القول والحكمة ، وحكمه كثيرة مأثورة . والشكر نتيجة تحقق العبد بأن اللّه خالق كل شيء ومن ذلك الأخلاق ، ولقد تحدثنا عن تحقق الصوفية بأنهم ليس لهم من الأمر شيء ، وأن الفضل فضل اللّه ، ونبهنا في كتابنا الإنسان الكبير على خطر داء العجب الذي يصيب معظم العلماء الذين يتباهون بعلمهم ولا يردونه إلى اللّه ، ولا يعلمون أنه لولا اللّه ما طلبوا العلم ، ولا سلكوا طريقه ، ولا كانوا علماء ، فإن للّه الدواعي ، والداعية في القلب ، فالعالم عالم بالقوة وهو ما يزال في بطن أمه وهذا من فعل اللّه وفضله . ولقد تحقق لقمان بفضل حكمته الذوقية بأن اللّه هو الوهاب وهبه الحكمة وعلمه ، وتحققه هذا اقتضى تقديم الشكر للّه ، وقوله : فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ [ النّمل : 40 ] ، يعني دراسة الحكيم نفسه ومعرفته لها ، وأنها مرآة إلهية ، فإذا عرفها عرف ربه ، فكان الشكر للنفس لأنها كانت الطريق إلى اللّه ومعرفته . [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 13 ] وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( 13 ) [ لقمان : 13 ] الشرك أن تنتزع من اللّه حقه فتجعله إليك أو إلى الناس من حولك ، فإحسان المحسن يراه المحقق فعل اللّه ، فلو لا داعية الإحسان لما أحسن المحسن ولعد العطاء غباء ، وفي الأمثال فلان أحمق في ماله أي هو محسن لا يبالي أمسك المال أم أنفقه ، ولما عاد الإمام الشافعي إلى المدينة من اليمن ، بعد أن شغل منصب القضاء هناك سنين ، جلس في فناء الحرم ، وبسط عباءته ، ونثر عليها الدنانير التي جمعها من رواتبه ، وجعل يوزعها على الفقراء ، ثم نهض ورجع إلى عبادته وعلمه . [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 14 إلى 15 ] وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 14 ) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 15 )